|
بينما كنا نغادر الفندق أنا والحاج يوسف حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا إذ اعترض طريقنا أحد المرشدين امرافقين للبعثة المغربية
طالبا منا التدخل لحل مشكل ما وقع أمام باب الفندق ، أسرعنا الخطى لنرى ما المشكل الذي عجز أعضاء البعثة عن حله مما اضطرهم لدعوتنا للتدخل،خرجنا من الباب الكبير للفندق وإذ بمجموعة من المرشدين والحجاج تمسك حاجا طاعنا في السن وهو يحاول الفرار منهم. بعدما وقفنا لدقيقة فهمنا ما الذي يجري بشكل عام ، هذا الحاج على ما يبدو قد ضاع عن مجموعته المرافقة له فأتى بعض الشرطة السعوديين به إلى فندق أبراج مكة الذي تقيم به المجموعة 72 المكونة من مغاربة الشمال والصحراء، إلا أن الشارة المعلقة في عنق الرجل تبين أنه من فاس ولكنها لا تعطي أي معلومات أخرى حول مجموعته أو الفندق الذي يقيم به، أراد مسؤولو البعثة من مجموعتنا (72) إدخاله إلى داخل الفندق في انتظار الاتصال بمجموعته لتأتي لأخده ولكنه رفض بشدة الدخول، ولكن لماذا ؟ هنا يبدأ المشهد الطريف من القصة الدرامية.
السبب الذي كان يدفع الحاج لرفض الدخول إلى الفندق أو حتى الكلام مع أعضاء البعثة هو أنه كان يظن أننا مجموعة من اللصوص تريد اختطافه بل الأدهى والأمر والذي جعلني في موقف محرج هل أضحك بشدة لطرافة الموقف أم أرثي لحال الكهل الضعيف الذي طار عقله، نعم طار عقله، ربما لصدمة أصابته في السعودية أو ربما أتى من المغرب على هذه الحال،الحاج في حوارنا معه كان يقول بأنه أكمل حجه ولله الحمد وعاد إلى بلده وهو الآن ب''طريق صفرو'' ويريد أن يتجه إلى بيته القريب من هنا، كان حوارا غريبا حقا فنحن نريد إقناعه بأنه لا زال في مكة ودليلنا أنه لازال يرتدي الإحرام وبأن أيام الحج الحقيقية لم تبدأ بعد ،وهو يريد إقناعنا بأنه في بلده ، يصرخ في وجوهنا حميعا : ''طلقو مني أ الشفارة خليوني نمشي لداري أنا راه حجيت ورجعت لبلادي'' ، يرد عليه أحد المرشدين : ''لعن الشيطان أ الحاج حنا باقي في السعودية'' ، يرد عليه الحاج: ''وهيا دابا نتا كتفهم حسن مني أنا راه عندي ثمانين عام'' ،يشير إلى نفق يتجه نحو منطقة العزيزية ويقول :''هادي الطريق دصفرو خليوني نمشي عند ولادي راه كيستناو''.
بعد أن يئسنا من إفهامه بالعقل حاولنا معه بالحيلة ، قلت له بأن يأتي معنا لنحمله بسيارة البعثة لنأخذه عند أولاده لكنه كان ينظر إلينا شزرا ويقول : '' أنا ما ماشيش معاكم طلقوني نمشي على رجلي''، لم تنفع معه الحيلة أيضا، فحاولنا معه بالقوة وهنا بدأ الحاج بتمثيل دور ضحية تريد عصابة اختطافه :سقط أرضا وبدأ يصرخ بأعلى صوته : ''واا العاداو أعباد الله العاداو''، مجموعة من السعوديين كانت مارة أمام الفندق بقيت مشدوهة من المشهد والبعض ممن كان مارا بسيارته أوقفها ليشاهد الفيلم المغربي بمكة :منهم من يضحك ومنهم من تقدم لمساعدتنا ومنهم من هب لإكمال لقطة الفيلم الناقصة وهي محاولة أنقاذه منا .
استمررنا في الوضع طويلا قبل أن يأتي الحل ممن لم نتوقع، تقدمت إحدى المرشدات المرافقة للبعثة نحو الرجل فتسمر ينظر إليها بدهشة وكأنها شبح، أخدت تصب الماء فوق يديه ووجهه وهو متسمر ينظر إليها، أخذت بيده وأدخلته بكل هدوء للداخل، لم يقاوم الرجل،وبعد قليل وصل المكلفون بالمجموعة التي ينتمي إليها وأخذوه.
طيلة الساعات التالية كنا نتحدث عن القصة، تأسفنا لحال أغلب المغاربة الذين يحجون وهم على شفى القبر فإما يتعبون أثناء المناسك ولا يكملون حجهم وإما يطير عقلهم كما حصل لبطلنا.
ما استنتجناه من هذا الفيلم التراجيدي الكوميدي هو استنتاج واحد ووحيد وهي نصيحة أوجهها لكل الشباب إن كنت تريد الحج فعلا فحج وأنت شاب قبل أن يطير عقلك.
الطالب الحاج عبد الحي الصالح تنشر بجريدة صوت الشمال الجهوية
|