|
رحيل الفيلسوف المغربي الكبير محمد عابد الجابري |
|
|
|
|
كتـب المقال ChamalCity
|
|
الاثنين, 10 مايو 2010 15:20 |
انتكاسة جديدة للعقل والفكر العقلاني ونحن طلبة في شعبة الفلسفة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس خلال ثمانينات القرن الماضي
كان يبدو لنا الجابري كأحد الأعلام الفلسفية الكبرى في المغرب والعالم العربي ،وهو فعلا كذلك ، مشروعه هو نسق فلسفي في سجال مباشر وغير مباشر مع الأنساق الفلسفية الكبرى التي عاصرته أمثال حسين مروة ، الطيب التيزيني وإلياس مرقص صاحب الكتاب الضخم نقد العقلانية العربية . نريد من خلال هذه الكلمة أن نؤكد على أن غياب الجابري عن الساحة الفكرية والفسلفية في هذه المرحلة بالذات لاتعد خسارة كبيرة للفكر الفلسفي والسياسي المغربي والعربي فقط، بل انتكاسة له وهذا الكيان في وضعية التدحرج المستمر، والحبل على الجرار ، لسبب واحد هو أن الراحل كان قد غاص في أعماق الفكر العربي من أجل الإجابة على أسئلة التخلف الفكري يحاول أن يبرهن وهو يحفر في ثنايا كيان العقل العربي أن عملية تحديث الفكر ممكنة ، غير أنه لا يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض ، ولذلك توجه إلى كيان معقد أسمه العقل شارحا محللا وناقدا مختلف البنيات الذهنية التاريخية وسياقاتها محددا معالم كل مرحلة ومميزاتها بمنهجية قريبة من ذلك المفهوم الذي كان ميشل فوكو يستنير به أبحاثه الفلسفية وأعني بذلك النسق الابستيمي أو نظام الفكر خلال مرحلة متميزة من التاريخ. هكذا فقد انطلق في أولى كتبه التأسيسية ، نحن والتراث ، يستلهم نوع من المنهجية الماركسية في فهم الظواهرالتريخية وهو صاحب التحليل الأكسيومي في فهم الدين والفلسفة وقد أثارت أحد مفاهيمه حول القطيعة الابستمولوجية جدلا فكريا كبيرا ، لكن سرعانما سيتخذ لنفسه مسافة مع هذه المنهجية في اتجاه إعادة إنتاج الفكر الروشدي وحاول خلال هذه المرحلة أن يتبنى نوع من المنهج البنيوي الذي ذاع صيته في بداية السبعينات والثمانينات فاكتشف أن كل الفكر العربي ينبني على ثلاث مستويات من التفكير أو قل ثلاث منظومات فكرية : البيان والعرفان والبرهان وخصص لها كتابه الجزء الأول من تكوين العقل العربي ، أراد في هذه المرحلة أن يبين أن النظم الفكرية هي التي تقود للاستخلاصات المذهبية . غير أن فكر الفيلسوف الجابري سينتهي إلى مرحلة عبر ت عنه كتبه مدخل إلى القرآن الكريم الجزأين الأول والثاني وجاءت إنتاجاته مواكبة لبروز قوي للفكر الأصولي وخصوصا تنظيم القاعدة الذي روع الامبريالية والفكر الرأسمالي لكن كذلك جعل أطروحات الجابري حول تحديث الإسلام محط تساءل كبرى بعد أن برز فكرا ارتداديا لا عقلانيا يتبنى بقوة شعار أسلمة الحداثة بالعنف والإرهاب. وقد قال الجابري في خاتمة كتابه مدخل إلى القرآن الكريم ما يلي : وعلي أن أعترف أن هناك سرا لم يستطع عقلي اكتناه حقيقته ،إنه هذه العلاقة الحميمية بين الرسول محمد بن عبد الله وبين القرآن الحكيم وهو ما سخر له إنتاجه الموالي : الجزء الثاني من كتاب مدخل إلى القرآن . المشروع الفكري الضخم للراحل ما كان له إلا أن ينتهي إلى الضمور بعد أن فشل المشروع القومي النهضوي العربي ودخل في مرحلة السكتة الدماغية منذ أن سقطت الناصرية ،آخر قلاع الخطاب القومي الأكثر جذابة. ربما كان المؤرخ المغربي عبد الله العروي في كتابه المنهجي : الاديولوجية العربية المعاصرة أكثر دينامية في تجاوز رهان المشروع القومي النهضوي العربي الذي أطلق في البداية كمشروع للدول الوطنية المنبثقة على الاستقلالات الوطنية قبل أن يرتطم إلى نوع من الشعوبية والاستبداد , ولقد حاول المؤرخ التعبير عن صدمة المفاجئة / مفاجئة انهيار المشروع القومي ، بأسئلة دالة على بداية منحى جديد للتفكير ،وهو القائل ما معناه لو كنت أعرف أن الناصرية ستنتهي إلى ما انتهت إليه لما افتتحت كتابي بما هو التقدم وما هو التخلف ولعنونته بماهي الثورة وما هو الإصلاح ...هذه هي لغة المؤرخ العروي في نهاية الستينات حتى خيل للكثيرين أن الرجل يحاول أن يواكب بالفكر ما كان المناضلون اليساريون ينجزونه بكفاحاتهم الميدانية . لقد رحل الجابري وكثيرة هي الأشياء والاشكالات التي لم تتوضح بعد لكنه ساهم بشكل قوي في مراكمة زاد هائل يمكن أن يكون منطلقا للسير المنهجي إلى النهايات المفضية إلى اكتشاف طبيعة العقل العربي الاسلامي والأمازيغي لتيسير عملية التقدم والتطور الثقافي والاقتصادي .وليس من العدل في شيء أن لا يستنطق ويحاور هذا المشروع وصاحبه قيد حياته هذا في الوقت الذي كانت تثار حوله نقاشات وساعة في الشرق والخليج ، في الوقت الذي كان يدار الضهر لأطرحاته في وطنه وأطبق عليها نوع الصمت حتى لا نقول التعتيم ، لكن موته أيقضتهم جميعا أصدقاء وأعداء كلهم يتباكون على الخسارة ،وهنا استحضر مقطعا رائعا من قصيدة شعرية للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش يقول فيه : يريدونني ميتا ** ليقولوا كنت معه كان معي .. الجابري كان ضد التوجه السياسي الذي أخذته البلاد ما بعد أفول حكومة عبد الرحمان اليوسفي التي رأى فيها دلالات يمكن أن تمد مشروعه الفلسفي بنوع من الشرعية الواقعية المفقودة .وعندما لا تصار الأمور وفق ما يخطط لها بالمنطق العلمي ؛ فالجنون والانتحار والسكتة القلبية وكل شيء يصبح ممكنا بالنسبة للفيلسوف ،ولنا عدة أمثلة في تاريخ الفلسفة لفلاسفة بحثوا في العقل وانتهوا إلى فقدان عقولهم الشخصية ، إنها اللحظة التي يعجز فيها العقل الإنساني المبدع ، وليس كل عقل ، عن تفسير الموضوعات المنبرزة أمامه أو عندما تسير الأمور على غير ما كان يتوقعه .السياسي ،وخلافا للفيلسوف ، أكثر جبنا في تبرير مختلف الوضعيات حتى تلك التي كان يناهضها ،والاستعداد للتبدلات من موقع إلى آخر دون إبداء ولو قليل من الحرج . لكن لا بد أن نشير أن فكر الجابري تعرض لانتقادات عنيفة أذكر على سبيل المثال ما قاله الدكتور إلياس مرقص صاحب التوجه العلماني في حقه مستهزءا من الدراسات التي تستغرق في بحر التراث وملمحا لمشروع الراحل : إن العروبة هي أيضا الشنفري وتأبط شرا وكعب بن جناب وغيرهم من ذلك الزمان فمهما كانت طبيعة الانتقادات الموجهة للراحل حتى أكثرها قسوة لتلك الصادرة عن العفيف الأخضر مثلا فلا تقلل أبدا من شموخ فكره ودأب الرجل على الاستمرار في سفر متعب في كيان الفكر العربي رحل وهو في منتصف الطريق ولا أحد سيواصل المشوار بنفس المعنى بعد أن انهارت الأنساق الكبرى ودخلت البقية الباقية منها منحنى تراجعي مستمر ، وتلك هي الفداحة الكبرى . بلمزيان علي باحث في الفلسفة
|