| الاعتداء على الأطفال، المجتمع المريض |
|
|
|
| كتـب المقال ChamalCity | |||||||
| الجمعة, 30 أكتوبر 2009 17:19 | |||||||
![]() المجتمع مريض، وهو حتى الآن لم يجد طبيبا قادرا على احتواء الحالة التي تبدو أنها تتفاقم يوما عن يوم. هذا على الأقل ما يمكن الخروج منه بعد تصفح عشرة أو عشرين جريدة، أو بعد أن تجالس أناسا قدِّر لهم أن ينعموا بالأبوة. المجتمع مريض، ومرضه مستعص حتى الآن. لا يتعلق الأمر هنا بمرض قطاع الطرق، والنشالين وحملة السيوف الذين يبحثون عما في جيوب المساكين والدراويش، والذين لا يتوانون عن تشريط الوجود، وعن إزهاق الأرواح في الكثير من الأحيان إذا لم يحصلوا على مبتغاهم. ولا يتعلق الأمر بتجار المخدرات الذين فشلت كل محاولات تطويقهم والاعتقالات المستمرة في صفوفهم عن تقليص نشاطهم على الأقل، فأحرى القضاء نهائيا على هذا النشاط. هؤلاء مجال "عملهم" واضح، وهم في مغامرة دائمة مع ضحاياهم ومع أجهزة الأمن التي قد يسقطون في شباكها بين الحين والآخر. يتعلق الأمر : بالأب الذي لا يجد حرجا في هتك عرض ابنه أو ابنته. بالعم الذي يستغل حب أبناء أخيه وثقتهم لكي يقتل فيهم طفولتهم. بالخال الذي يفعل نفس الشيء. بالجار الذي لا يبالي بتأكيد القرآن والسنة على حرمة الجار. بصديق الأب الذي يستغفل صديقه ليعبث بصغاره. بابن الحي. بالأستاذ. بالمعلم. بحارس المدرسة، وحارس السيارات، وصاحب الدكان والخياط والنجار ووو…. وبكل هؤلاء الذين يجدون في سذاجة الصغار وسهولة إغرائهم، وفي ثقتهم بهم باعتبارهم أقارب أو باعتبارهم مقربون، ما يحولهم إلى وحوش بوجوه أخرى وبأنياب تنهش طراوة أجسادهم، قبل أن يخنقوا أنفاسهم ويحولوهم إلى أشلاء في حقائب أو في أكياس. لا أريد أن يفهم من هذا أن الأمر يتعلق فقط بالاعتداءات الجنسية بل بكل الجرائم التي تستهدف الطفولة سواء أكانت قتلا أو استغلالا في الأعمال المنزلية أو كيا أو حرقا أو غير ذلك. هل يكفي أن يشعر الواحد منا بالتقزز وهو يقرأ مثل هذه الأخبار، أو هل يضيف على التقزز وضع اليد على الجبين والحولقة، أم أن يكتفي بالتحسر على مجتمع يتجه حثيثا نحو هاوية بلا قرار؟ في الغالب، يكون السبب وراء ما يقترفه هؤلاء، حسب الروايات التي تروى عقب هذه الحوادث المأساوية، اضطرابات نفسية، أو عوز مادي، أو إدمان على المخدرات أو حرمان جنسي وعاطفي، وهو ما يعني أن هؤلاء ليسوا مجرمين محترفين، وأن الحذر منهم غير ممكن دائما، لأن تحولهم إلى وحوش آدمية غير معروفٍ وقتُه، فنحن أمام مستر هايد ودكتور جيكل في الواقع لا في الخيال. هل هذه المبررات كافية لإعادة الضحايا إلى الحياة؟ هل بإمكان هذه المبررات الحد من هذه الظاهرة التي أضحت تملأ بمآسيها الصحافة الوطنية؟ وهل، وهذا هو السؤال الجوهري، هذه المبررات هي المبررات الحقيقية لمثل هذه الجرائم التي يتعرض لها الصغار في البيت والمدرسة والشارع وقاعة الألعاب؟ الدفع بالمرض النفسي إلى الواجهة سهل. فنسبة المغاربة المصابين باضطرابات نفسية تصل حسب بعض الدراسات إلى ما يقارب 50 في المائة، منهم 1.5 مليون شخص يحتاجون إلى رعاية صحية نفسية مكثفة لأن هذه الاضطرابات تحولهم إلى أشخاص عدوانيين جدا. إن هذا الرقم مهول، لأن معناه أن نصف المجتمع غير سوي، وبالتالي فاحتمال اقتراف الجرائم التي يكو ن دافعها اضطراب نفسي وارد جدا. لكن السؤال الملح هنا، هو أنه إذا كانت "دراسة وطنية سنة 2007 كشف عن تفشي الأمراض العقلية في مجموع المواطنين وأظهرت أن 48.9% من المستجوبين كشفوا على الأقل إشارة واحدة عن ضعف الصحة العقلية" فهل تم اتخاذ ما ينبغي للحد من استفحال هذه الظواهر، خاصة أنها تؤدي، حسب الطرح المشاع، إلى اقتراف شتى أنواع العنف ضد المجتمع، والتي منها أيضا هذه الاعتداءات البشعة على الأطفال من طرف أقرب الأقرباء إليهم ومن طرف الغرباء على حد سواء. إن حقوق الطفل لا تقف عن التصديق على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الطفولة، ولا بالتأكيد على جملة من الممنوعات مثل منع الضرب في المدارس، أو على ضرورة تمكين الطفل من حقه في اللعب والتمدرس والأكل وفي العيش داخل أسرة، بل إن تتعدى ذلك إلى تكريس هذه الحقوق في الواقع، لأن مشكلتنا الكبرى هي أننا نراكم العديد من المكتسبات على الورق، ولا نسندها بما يضمن تحققها الفعلي وديمومتها، ولعل هذا بالضبط ما جعل الأصوات ترتفع لتنبه إلى أن الكثير من الأحكام القضائية التي تصدر في حق المعتدين على الأطفال من شأنها أن تشجع على التمادي في اقتراف هذه الجرائم البشعة، وفي استمرار استغلالهم، على نطاق واسع، في التسول وفي أشياء أخرى. ولعل مما يثير أكثر في قضية الاعتداء على الأطفال، ضربا وتعنيفا وتعذيبا واغتصابا واستغلالا جنسيا أو غير جنسي وتشغيلا، هو أن كثرة إثارة الموضوع في الصحافة وكثرة تكوين الجمعيات المهتمة بقضايا الطفل وحقوقهم لم يغن غنهم شيئا، بل على العكس من ذلك لا يزداد الأمر إلا استفحالا وتفاقما، وصار من غير المحتمل رؤية أولئك الأطفال عرايا على صفحات الجرائد وقد تم تشريط أجسادهم وإحراقها والتنكيل بها. ما العمل؟ توعية الأطفال وتدريبهم على حماية أنفسهم، وعلى التفريق بين ما هو تحرش وبوادر اعتداء وبين ما هو غير ذلك؟ ربما ولكن هل تمت توعية الكبار بضرورة حماية الصغار، وهل تم تدريب الكبار على حماية أنفسهم قبل حمايتهم للصغار؟ وكيف يتم توعية صغار يعيشون في مجتمع شبه أمي ومليء بالطابوهات؟. ما العمل؟ مرافقة الصغار في ذهابهم وإيابهم من المدرسة، وفي خروجهم للعب، وفي ذهابهم إلى الدكان المجاور؟ في هذه الحالة على الآباء أن يقدموا استقالاتهم بشكل مستعجل من أعمالهم، لكن هل هذا الحل هو الحل الجيد باعتبار أن من الآباء من يغتصبون أبناءهم أو يضربونهم أو يذبحونهم؟ ما العمل؟ أن تكف الجمعيات المعنية بالطفولة عن الظهور في وسائل الإعلام المختلفة للتنديد ببشاعة ما يتعرض له الأطفال، وأن تمر، في إطار شبكة قوية تضم هذه الجمعيات جميعها، إلى ممارسة ضغط حقيقي على السلطات المعنية، مباشرة أو بشكل غير مباشر، بقضايا الطفل من أجل تتحمل مسؤولياتها في مواجهة ظاهرة الاعتداء على الأطفال التي لم تعد عبارة عن حوادث معزولة في الزمان وفي المكان، بل تحولت إلى هاجس يومي يؤرق الجزء غير المريض من المجتمع. ما العمل؟ معالجة أحد أسباب العنف ضد الأطفال، الاضطرابات النفسية في ضوء الدراسة المذكورة؟ مؤكد، بتوفير أسباب العلاج من مصحات نفسية وأطباء اختصاصيين. إن ظاهرة الاعتداء على الأطفال بجميع تجلياتها تستحق أكثر من وقفة، ليس للتأمل بل لاستئصالها من خلال تفعيل حقيقي للإجراءات التي تمكن الطفل من حقه في الحماية. جمال الموساوي
Powered by !JoomlaComment 3.26
3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."
|
|||||||
| تم التحديث فى ( السبت, 31 أكتوبر 2009 01:55 Lu :1040Fois ) |




